الأدب والشعر

أن تكون من غزة

أن تكون من غزة … هذا اشبه بأن تكون من الجحيم. فبالرغم من كوني بشرياً طبيعياً لكن كونى احمل وثائق تدل على انني من غزة امر اشبه بالتهمة التي لا تستطيع ان تكفر عنها.

ولد أبي في يافا وبسبب الحرب، اضطر إلى الإنتقال إلى غزة في منتصف القرن الماضي هربا من الموت فقط، ومنذ ذلك الحين، بدأت المعاناة تنتقل من الأجداد إلى الاباء ومن ثم إلى الأبناء.

بدأت اشعر بذلك في مرحلة دراستي للتوجيهي في عمان حيث كنت أحاول الحصول على المركز الأول في المدرسة وذلك الشيء الذي استطعت تحقيقه بالدراسة لمدة ثمان ساعات في اليوم ولكن الإحباط كان يأتيني من بعض المعلمين ومن والدي الذي كان يقول لي “مش مهم المعدل ما انتا غزاوي بكفي تنجح ويخلف عليك” فبدأت مخيلتي بالتفكير ” طب ايش يعني؟ ليش ما اجيب معدل وافوت جامعة حكومية”.

لم أكن مستاء ولست كذلك حتى اليوم حيث اني ادركت بعدما حصلت على معدل 82% أني سأدرس في جامعة خاصة تبعد حوالي ثمانين كيو متر عن منزلي على حساب والي الذي قضى عقدا كاملا في دولة خليجية محاولا جمع مبلغ ليتمكن من شراء بيت وتعليم اباءه الاربعة وهذا ما حدث.

إقرأ أيضا:ساعات الجنون

رغم الصعوبات وما كنت اسمع من اصدقائي الطلاب “يازلمه انتا مجنون 82 وجاي عجامعة خاصة” تمكنت من تخطي هذه العقبة وانهيت دراستي الجامعية خلال 3 سنوات فقط، واحرزت معدل يقارب معدل التوجيهي تماما، والجيد في الأمر أني كنت الأول على الدفعة والحمد لله.

في ذلك الوقت كان والدي منزعج من السرعة التي اقطع فيها المواد، فقد قال لي مرارا وتكرارا “ليش مستعجل بتفكر الشغل بستنى”.

بعد ذلك وبدأت رحلة البحث عن عمل، ففي صبحة يوم بعد التخرج جاء والدي الى غرفتي وكنت نائما فاقل لي “خد يابا، هي اخر خمس ليرات بتشوفها مني، قوم دور على شغل”، لم اكن وقتها قد حصلت على شهاداتي لانني حديث التخرج ولم يصدر وقتها قرار هيئة العمداء فعليَّ الإنتظار شهرا على الاقل قبل ان اتمكن من الحصول على شهاداتي من الجامعة.

لم يكن ابي سيئا بل كان رجل رائعا ولكن قسوة الحياة جعلته -في نظري عندها- قاسيا، فحزنت كثيرا وشعرت بالوحدة، وانني الأن يجب ان اكون مسؤولا عن نفسي.

والغريب في الامر ان كلمته الاخيرة التي قالها لي اخافتني، بالرغم من انني لم اكن ذلك الشاب “المصرفجي” فلم اعتد ان اصرف اكثر من مواصلاتي وفنجان القهوة الصباحي. في ذلك اليوم خجلت ان اطلب منه المال لكي اشتري ملابس وحذاء جديدين، فتكنت من أخذ حذاء له كان جميلا ولم يكن يرتديه وقمت بـ (تلبيق) بعض الملابس وكويها وتلميع الحذاء لأنطلق في اليوم التالي في مسيرة البحث عن عمل كمعلم لأن اإلب افراد عائلتي كانو في هذا السلك.

إقرأ أيضا:البادية والقرية والمدينة

حينها قيل لي: لا تستعجل في البحث عن عمل لأن ابناء البلد عاطلين عن العمل، فقررت ان اضرب هذا الكلام السلبي في عرض الحائط، والتوكل على الله وكان الإنطلاق في اليوم التالي.

خرجت صباحا وقرأت المعوّذات واية الكرسي، وعند الوصول الى موقف الباص لم اكن اعلم من اي طريق اذهب، لاني تربيت في دولة اخرى ولم اكن على علم بالطرق او مواقع المدارس في مدينة عمان الحبيبة وقتها. فذهبت -لا إراديا- في طريق الجامعة حيث حط بنا الباص في ممع المحطة بعد وسط البلد بعدة كيلو مترات، نظرت من حولي فةجدت حافلة كبيرة مكتوب عليها ( خلدا-الجاردنز- …) ركبتها وقلت في ذاتي سأنزل في نهاية الماكن الذي استطيع تمييزه.

اذكر في الليلة التي قبلها كنت متوجه إلى المكتبة في الحي لأشتري بعض الاقلام واقوم بطباعة نسخ من السيرة الذاتية لاتمكن من التقديم للمدارس الخاصة في عمان حيث انني لا استطيع العمل في اي منشأة حكوميى لكوني غزاوي فقابلت رجلا استنسخ لي عدة نسخ من السيرة الذاتية وسألني ذا ما كنت حديث التخرج، تبادلنا اطراف الحديث ومضيت وقبل الخروج قال لي عليك بالإستغفار يا محمد، كان قد عرف اسمي من السيرة الذاتية وقرألي الأية الكريمة “(9) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ” قرأها الرجل وهو يشير بيديه ويبتسم، وفي نهايتها اشاح لي مع السلامة.

إقرأ أيضا:تكساس

بدأت اشعر بالخوف، رأيت حدائق الحسين ومن ثم جسر خلدا المؤدي إلى دابوق، بدأت المدينة تتغير فقررت النزول، نزلت من الحافلة استدرت دةرى كاملة، أين انا؟ أهذه عمان، كانت ةل مرة لي اصل ذلك المكان مشيا، ربما مررت منها مره و مرتين بالسيارة، نظرت بإتجاه شارع الجاردنز وقلت توكلت على الله، مشيت مسافة شارع الجاردنز (وصفي التل) حتى وصلت منطقة الشميساني والتي هي في الطرف الأخر، ربما كانت المسافى تقارب الخمس كيلو مترات لانه وخلال رحلتي ماشيا، كانت تتخللها رحلات قصيرة يمينا ويسارا بإتجاه بعض المدارس مقدما للوظائف الشاغرة حيث حصلت على بعض المقابلات الفورية لان التخصص مطلوب حيث احمل درجة البكالوريوس في اللغة الإنجليزية وآابها بمعل جيد جداً مرتفع، كانت تنتهي المقابلة عندالسؤال عن الرقم الوطني بنظرة اتهام “انت غزاوي ، اه ، اوك ان شاء الله بنرن عليك” كنت متفائلا عندما وصلت إلى الشميساني لانني اعرفها فقد درست الأول ثانوي والتوجيهي في مدرسة خاصة هناك حيث كان وادي يعمل مدرسا للجغرافيا. بدأت امشي بالإتجاه الذي اعرفه “يالله قديش كانت الدنيا أسهل لما كنت تحت جناح ابوي” يبدوا ان الرحلة قد بدأت، لابد لك من المواجهة، غضبت كثيرا لنني وقتها كنت صغيرا سريع الغضب افقد الأمل خلال ثوان، مشيت ومشيت، كانت قدماي تتفطران من الألم فلم يكن حذاء والدي من النوعية الجيدة، لبد انه كان يوفر المال لنا لكي تحصل على تعليم مناسب حيث ان التعليم مكلف جدا، فعندها كان قد دفع نصف ثروته مقابل تعليم ثلاث شباب وبنت كنت انا اصغرهم. وصلت إلى حدائق الملك عبدالله، حلمت قليلا بسيارة لان تلك المنطقة مكتظة بمعارض السيارت وقد كان بعضا كبيرا ولامعا. اتجهت نحو الدوار الخامس، هذه المنطقة التي لازلت اعشق، فرأيت مبنى مدرسة، قدمت طلب توظيف ومنثم اتجهت إلى البيتمسرعا حيث كان ولا زال الملاذ الآمن حيث كلنا غزازوه ومتساةين، لا احد في ذلك المنزل يستطيع ان يعطيني تلك النظرة لانهم كلهم غزازوه إلا والدتي الأردنية، تلك الجميلة التي كتب الله عليها الحياة بيننا. في الصباح الباكر من اليوم التالي يرن الهاتف، ” الو ، نعم ، محمد؟ اه، اشتغلت؟ لا لسا ، بتقدر تيجي اليوم؟ اه اكيد وين؟ عمدارس كذا في الدوار الخامس، ايمتا؟ هلأ تعال، هلا؟ اه بتقدر؟ اه اه بقدريالله هيني جاي؟” ارتديت نفس الملابس القذره حيث كانت البارحة مشمسة، وذلك الحذاء اللعين المؤلم ولكن اري الذهاب الان وسريعا قبل ان تفوتني الوظيفة. وصلت إلى تلك المدرسة ودخلت إلى غرفة المدير العام بتلك البدلة الراقية والتكييف “تفضل اجلس، شكرا” كانت المقابلة على النحو التالي: ” محمد انتا غزاوي؟” قلت في عقلي “أكلنا هوا” اجبت ” اه غزاوي، ليش ما قرأت الطلب منيح قبل ما ترنولي، معيش كتير مصاري عشان ارجع” وتحسست محفظتي النحيلة لانني كنت اخاف ان افقدها فأفقد كل مدرخراتي، وقلت له” استغفر الله العظيم” ضحك ضحكة العملاق وقال لي “يخرب بيتنا الغزازوة دفشين وعجولين، انا غزاوي زيك وبدي تساعدني وأساعدك، عندي استاذ ترك، واحنا في اول السنة، بتقدر تكون وزلمه وتثبت حالك وتنقذني من هالموقف، الاهل اكلوا وجهي” فقلت له ” احنا بننولد زلام ، دلني على باب الصف” قال لي ان راتبي سيكون 200 دينار وانه سيزيدني ان اثبت نفسي، كنت جالسا ولن كانت روحي تقفز من الفرح فهذا المبلغ اكثر ب 6 مرات مما كنت اصرف في الشهر وانا في الجامعة اخذ بطاقة الإقامة البيضاء ، اخذ نسخة عنها وأعادها لي وقال ” انطلق” لقيني مدير المدرسة عند باب قسم الذكور من الخامس وحتى التوجيهي ولا اخفيكم انه ايضا كان غزاوي، فعرفني على نفسه وانه من غزة وقال لي “تسودش وجهنا” دخلت الصف وبكل اختصار لم اكن اعلم اني معلما بالفطره ، خطفت قلب وعقل الأطفال متحدثا اليهم عن اهمية اللغة الإنجليزية في العالم، كانوا من الطبقة الميسورة نسبيا وكنت من تلك الطبقة ايضا مع اختلاف مفهوم الصرف لدى والدي حيث كما ذكرت كان حريص على توفير المال يتمكن من تعلم اربعه من الابناء على نفقته الخاصة وهذا ما حدث تماما. رجعت الى البيت مبشرا سعيدا.

تلك الليلة التي ذهبت فيها إلى المكتبة قضيتها مستغفرا وفي طريقي الى المنزل يعترضني مسجد الحاج حسن حيث دخلت وصليت العشاء وذكر الامام في درس العشاء عن ابي بكر رضي الله عنه انه كان يتصدق بنصف ماله فوضعت نصف ما املك في صندوق التبرعات عسى الله ان يفرج همي، شعرت بعدها ان الله كافأني وانه هو الذي يمتلك الارزاق حيث فتح على ابواب رزقه في اليوم التالي واصبحت معلما لمادة اللغة الانجليزية للصفوف الخامس والسادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر.

منذ ذلك الوقت، أخذت على عاتقي ان لا اقبل إلا بالنجاح، كيف لا وانا لدي تجربتي الأولى التي منحتني طاقة إيجابية تكفيني لأخر حياتي. انتقلت بعها إلى السعودية حيث ولدت، لأعمل سكرتيرا لإدارة الجودة وخلال اقل من ثلاث اشهر انتهى بي المطاف أن اصبح مديراً لتطوير الأعمال في تلك المؤسسة حيث التقيت مجموعة من الأشخاص لم يكن من الممكن ان التقي بهم لولا توفيق ربي والإصرار على النجاح، التقيت بأراء سعوديين وخليجيين، مدراء شركات تنفيذيين من بريطانيا وأمريكا وعدة دول، جلست معهم ، تناقشنا وفي كل مره كنت اجلس بعد نهاية الإجتماعات لأقدم المشورة إلى المدير العام في الشركة، وأصبح بعض الأشخاص الذين كنت أقدم لهم تقارير يقدمون هم تقاريرهم لي وكل هذا كان بسبب إلمامي باللغة الإنجليزية ومقدرتي على تحليل الامور والإنتباه الى النقاط الحاسمة. أذكر انني كنت ذات مرة اترجم عقدأ لشركة اتصالات وإستطعت الايقاع بهم حيث كاوا قد اضافوا بندا يحتم علينا خسران بضعة ملايين من الريالات.

إنتقلت بعدها إلى الأردن حيث أن والاي كبيرين ولم اتمكن من البقاء بعيدا حيث كان جميع اخوتي واختي في بلاد الغربة فلم يبق احدنا هناك بجانب الأهل فقررت العودة لأن وحدتهم لم تكن تستوي في عقلي وضميري.

في عمان، بدأت تسلق السلم في تعليم اللغة الإنجليزية وبفضل الله تمكنت من ان اصبح احد اشهر معلمي هذه اللغة للتوجيهي ولا أخفي عليكم، هذا المنصب جيد جدا حيث الشهرة والبرستيج والمردود المالي الجيد. في عام 2014 تمكنت من انهاء دراسة الماجستير بمعدل مرتفع وكنت عندها قد رزقت بإبنتي جود وبعد سنوات رزقت بإبنتي الثانية جوري.

بالرغم من الإنفصال بيني وبين زوجتي والمصاعب التي واجهت بسبب ابتعاد فتاتي الإثنتين ، لم اتوقف عن البحث عن التميز، فقد اصبحت رئيساً لقسم اللغة الإنجليزية في مدرسة خاصة كبيرة في عمان ومن ثم حصلت على عدد من الشهادات التي تؤهلني لأصبح معلماً معتمداً لتدريس البرامج الأجنبية والبارتقاء سريعا في سلمي الوظيفي بالرغ من كل المصاعب المادية والصعوبات النفسية. أنا الآن في خضم معركتي للحصول على درجة الدكتوراه في اللغة الإنجليزية وإكمال حياتي متخطيا كل الصعوبات التي ذكرت منذ البداية. هدفي لم يعد تحقيق شيء لذاتي بل انجاز اشياء يستفيد منها الأخرون، حيث انه كلما تقدم الإنسان في عمره وخبرته العملية، تتحول جميع اهدافه المادية الذاتية إلى اهداف عامة وهذا ما افخر به، منذ بدايتي، كانت الإبتسامة والإيجابية وحب الأخرين لي من اشد واهم العوامل التي ساعدتني على تحقيق ما انجزت، لذلك افتخر بأنني استطيع ادخال الفرحة والإبتسامة على قلب كل انسان التقي به.

السابق
رؤية المملكة العربية السعودية لعام 2030
التالي
السفر

اترك تعليقاً