الأدب والشعر

إنسانيات (الحلقة الثانية)

إنسانيات الحلقة (الثانية)، تحت عنوان تعلق قلبي

إنسانيات الحلقة (الثانية)، تحت عنوان “تعلق قلبي… قرارٌ أحمق”. “الفلسفة” تعني “حب الحكمة” وكي تعلم كم أوتيت من الحكمة، أرجو أن تقرأ بتأمل وتفكر، لأننا سنخوض في نزاعٍ أزليٍ سرمدي، بين ما تملك وما لا تملك. وحسب رأيي فالفلسفة موضوعٌ ثقيل، لا يحبذ قرأته الكثيرون منكم واستوعب ذلك.

قصتي معي، وقصتك معك، لكل منا قصة معنا، فلا تستغرب إن قلت لك أني وإياك نتشارك القصة ذاتها.

تعلق قلبي … قرارٌ أحمق

صحوت باكراً، وسادتي لا تنفك تلتصق بشقِ وجهيَ الأيمن، كثبانٌ من النُعاسِ لا تنفك تجثو فوق جفوني، رأسي محاصرٌ بين وسادتي والنعاس، رغم رُسُلِ الشمس التي وافتني واخترقت نافذة غرفتي، تبلغني رسالات الاستيقاظ لاستئناف الحياة بعد أن رد ليَ االلهُ روحي التي لم يمسكها إبان نومها.

لي قصة مع رجل أعرفه، يشبهني تماماً، يشبهني قلباً وقالباً، يشبهني بكل تفاصيلي، هو آخر من أشاهده قبل نومي، ولا أفتح عيني بعد نومها إلا وعينه ترقبني بشق وجهه الأيسر يلتصق بوسادتي، ليقفز ويتلاشى بداخلي فور أن أدحر وسادتي والنعاس بالاستيقاظ.

يعاشرني وأعاشره مُذ وعيت، حتى أضحى بيني وبينه تاريخ، تاريخ كانت إحدى سطوره الموثقة بأن لنا مستقبل إلى آخر قطرات الروح بالجسد.

إقرأ أيضا:الأدب العربي

وبحكم هذه العشرة التي أضحت بيننا يبدو أننا أتفقنا ضمنياً على إسناد الأدوار في إدارة حياتي، فتوليت أنا إدارة عقلي وتولى هو إدارة قلبي، فكان ملخص الإتفاق “أملك عقلي ولا أملك قلبي”.

سطر آخر في تاريخي وإياه، “الإتفاق على عدم الإتفاق” نادراً ما اتفقنا “عقلي وقلبي” فأضحى السؤال ملحاً ايهما يعقل؟ ومن الذي يتحكم ويقود؟ القلب أم العقل، فأعملت عقلي فيما بدى لي من حقائق ومواقف للوصول إلى ما خفيَ منها، وبعد طويل تأمل، وعلى غير المتوقع أيقنت بأن العقل يذعن تماماً للقلب وينساق وراءه، وبمعنى أدق لا يميل الجسد حيث مال الرأس بل يميل حيث مال القلب، فما العقل إلا أداة تنفيذ لما يمليه عليه القلب، وما القلب إلا موقعٌ للتفكير وصنعٌ للقرار، فهو الذي يعقل، وما صدرك إلا صندوق مغلق على ذلك القلب، يمتلك مفاتيحه ذلك الشخص الذي قفز وتلاشى بداخلك بعد أن رد الله لك روحك.

” أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ” أية (46)، سورة الحج.

يا أنت، أين عقلك حينما ارتكبت حماقة ما وأنت تعلم بأنها حماقة؟ إنه ذلك الشخص الذي قفز وتلاشى بداخلك وامتطى صهوة قلبك بعد إستيقاظك، هو من أملى عليك تلك الحماقة، فعقلك الذي تتولى إدارته وتمتلك زمام الأمور فيه يعي بأن هذه حماقة وجب عليك عدم ارتكابها، لكنه انساق وأذعن تماماً لقلبك الذي عميَ عن تلك الحماقة.

إقرأ أيضا:جميل بثينة

تعلق قلبي، جملة تلازمك حينما تجد في نفسك شيء ما، تريده، تريده بشغف، هذا الشيء عقلك يرفضه وقلبك يريده، ليبدأ النزاع بين ما تملك وما لا تملك، فإن انتصر قلبك خسرت أنت، وإن انتصر عقلك كان النصر مراً بطعم الخسارة.

تعلق قلبي فكان الهلاك فيما تعلق به قلبي، فكان قرار التعلق أحمقاً.

تعلق قلبي بالعمل في مكان ما، بأشخاص ما، حتى ما عدتُ أجد نفسي دونهم، قرارٌ أحمق.

تعلق قلبي بمنصب ما، حتى عدتُ أرى حجمي أكبر بكثير من أحجام الآخرين، قرارٌ أحمق.

تعلق قلبي بولدي، حتى عدت لا أراه إلا غزالاً مهما تسعدن، قرارٌ أحمق.

تعلق قلبي بجاه، حتى عدتُ أرى نفسي فرعونيَ السطوة، قرارٌ أحمق.

إقرأ أيضا:شجن

تعلق قلبي، بالمطلق بشخص ما، دون الرسل والأنبياء، قرارٌ أحمق.

تعلق قلبي بمالٍ وفير، جعلني أستغني حتى عن الله، أكثر القرارات حماقة.

يا أنت، مهما بلغنا في فلسفتنا هذه، ستبقى صدور الرجال صناديق مغلقة، لا يعرف مكنوناتها سوى ذلك الذي قفز بداخلها وامتلك مفاتيحها، أما صدور النساء فمن المؤكد بأنها محيطات لا يمكن سبر غورها مهما بذلت.

بين عقلك وقلبك، إذا عرفت أين أنت، ستعرف تماماً كم أوتيت من الحكمة.

وكي لا تلازمك “تعلق قلبي”، وكي لا تخسر، أو تنتصر انتصاراً مراً

بالله، وبالله فقط، إذا ما تعلق القلب به، سيكون العقل هو سيد المواقف وسيد القرارات.

تعلق القلب … بالله … أنا وأنت … على رأس الحكمة.

السابق
التصوير الفوتوغرافي
التالي
البادية والقرية والمدينة

اترك تعليقاً