الأدب والشعر

إنسانيات (الحلقة الأولى)

الحقيقة

الحقيقة

عليكم من الله السلام، سأبدأ بحول الله بنشر سلسلة من الكتابات الإنسانية على حلقات وقد اسميتها “إنسانيات” وأنا على يقين بأن النقاش يثري الكاتب، إليكم اعزتي الحلقة الأولى من إنسانيات وتحت عنوان (الحقيقة) ما الفرق بين الحق والحقيقة؟

الحق: لا يدل إلا على الجانب الإيجابي من الكلام، فالحق لا يكون إلا عدلا وإنصافًا، بينما الحقيقة قد تكون مريحة في مواضع، وقاسية في مواضع أخرى … لأنها الحقيقة.

إليكم الحقيقة

الرسم هو فن مرئي، من الفنون التشكيلية الجميلة، يكون في بعض الأحيان تسجيلاً لخطوط سريعة لبعض الملاحظات أو المشاهد والخواطر لشكل ما في لحظة معينة لمبدع يمتلك ريشة وألوان.

الكتابة، فن مقروء، من الفنون الأدبية الأكثر روعة، يكون في بعض الأحيان تسجيلاً لملاحظات أو مشاهد أثارت مشاعر وخواطر بسبب شيء ما في لحظة ما لمبدع يمتلك قلم يعج بالألوان.

اليكم القاسم المشترك بين كل هذا.

رسامٌ يطوف الأرض كي يرسم، فقد حباه الله بموهبة الرسم، حتى بلغ من الإبداع مرحلة أن استطاع أن يجسد الكثير من المشاعر والمفاهيم في لوحاته، فبمجرد أن تناظر إحدى لوحاته حتى تعلم على الفور عن ماذا يتحدث، جَسّدَ الحرية، جَسدَ الصدق، جَسّدَ الحب، الخيانة، الكذب، الخذلان والكثير الكثير من المشاعر والمفاهيم، لكنه كان يعاني من إشكالية وحيدة، ذلك أن موهبته هذه لم تكن لتظهر جلية إلا إذا رأى ما يُثيرها، من أجل ذلك طَفِقَ يجوب الأرض باحثاً بين الناس والأشياء عما يثير ذاك الإبداع الذي يملك.

إقرأ أيضا:هل سيتم استبدال كتّاب المحتوى بالذكاء الاصطناعي؟

وجد ضالته أخيراً في إحدى جولاته، يبدو أنه سيجسد شيئاً لم يكن قد جسده من ذي قبل إنه “الجمال”، ما أثار موهبته لرسم الجمال، أن رأى شاب يافعاً تعلو محياه البهي سُمرة مشرقة وهاجة، بشعر أشقر وعينان خضراوان، سمارٌ فشقارٌ فخضار، مزيجٌ من الألوان فريد اجتمعت فشكلت جمالاً فريداً، مزيجٌ غريبٌ من الألوان اجتمعت بشاب جميل تسورت أحداقه برموش كثيفة طويلة شقراء اقتربت إلى السمار من فرط كثافتها، تحيط منتظمة بأحداقه كالسوار في المعصم، أنفٌ دقيق ينتصف بوجهه المربع الصافي وقد خلى تماماً من كل شائبة كنبعٍ صاف، يرتدي ملابس بهية زادته جمالاً على جماله، ملابس كانت لرسمانا بمثابة إطار جميل يحيط بلوحة ازدادت جمالاً كلما أمعن النظر إليها، شابٌ يافع مليئ بالعنفوان والنشاط سبحان من جَسّدَ الجمال في خِلْقَةِ هذا الكائن الباقي حاضراً في الذاكرة بمجرد أن تراه، فقرر رسامنا أن يرسم لوحة بعنوان “جميل”، بعد أن تجاذب أطراف الحديث مع هذا الشاب فريد الجمال، حديثٌ انتهى بموافقة الشاب على رسمه متباهياً منتشياً بإعجاب رسامنا الواضح البيّن بخِلْقَتهِ.

مضت أعوامٌ ثلاثة على رسم لوحة “جميل”، ولا زال صاحبنا على نفس النهج يجوب الأرض باحثاً عما يرسمه، أثناء تجواله وفي إحدى الزقاق المظلمة لمح رسامنا على غير ميعاد “ساقين” ساقين اختفى جسد صاحبهما خلف حاوية للنفايات تقبع في إحدى جانبي ومنتصف زقاق مظلم لحارة عتيقة منسية، بدى أن الساقين بائستين باليتين وقد انتعلت بقايا حذاءٍ رثٍ بالٍ، فضول الرسام حدى بصاحبنا بالتوجه ليرى صاحب الساقين البائستين، فكان كلما اقترب نحو حاوية النفايات أكثر تكشف خلفها باقي الجسد شيئاً فشياً إلى أن اختفت الحاوية خلفه فاكتملت الصورة لديه.

إقرأ أيضا:كيفية كتابة الأشعار والقصائد

يا إلهي ما هذا المخلوق البشع، رجل في بداية الكهولة تبعثرت تضاريس وجهه المربع من فرط الشوائب التي اعتلت وجهه الموحل، دميم الخِلْقَةِ، قميءٌ متداخل المعالم، وقد اجتمعت قباحة الدنيا في وجهه، وما زاده بشاعة تلك الأسمال التي كان يرتديها وقد أكل الدهر عليها وشرب، أسمالٌ كانت بمثابة إطار مُقزز يحيط بلوحة مُنفرة.

ما أثار حفيظة رسامنا ليجسد شيئاً لم يكن قد جسده من قبل، هذا الكم الهائل من البشاعة التي اجتمعت في مخلوق واحد، فقرر أن يرسم لوحة بعنوان “بشع” بعد أن أعطى صاحب الساقين البائستين بعض الدراهم كان من شأنها أن وافق الدميم البشع على الفور لرسمه متوسلاً طالباً المزيد من الدراهم.

لكن ما اثار حفيظة الرسام المبدع أكثر وفجر موهبته، أنه تذكر لوحته “جميل” فور أن رأى البشع، فهنالك قاسم مشترك بينهما، فالبشع يمتلك نفس مزيج الألوان الغريب شاب قفز إلى الكهولة بشكل مفاجئ، تعلو محياه سُمرة قاتمة، بشعر أشقر متسخ، وعينين خضراوين باهتتين وقد تكرش أسفلهما، سمارٌ فشقارٌ فخضار، مزيجٌ من الألوان فريد اجتمعت فشكلت بشاعة فريدة، فسبحان من جسد البشاعة في خِلْقَةِ هذا الكائن وقد بدى منسياً.

وهو يحدث نفسه أنهى الرسام لوحته.

عاد مسرعاً إلى بيته.

إقرأ أيضا:زرياب: رائد الموضة والموسيقى

بحث في مرسمه عن لوحته “جميل”

وجدها.

وضعها جنباً إلى جنب مع لوحته “بشع” التي أنهاها تواً.

نظر اليهما، نظر مطولاً، اقترب بنظره إلى اللوحتين وابتعد، ابتعد أكثر ثم اقترب وأمعن النظر أكثر … فصُدم.

صُدم جداً

فقد تأكد متفاجئاً بأن صاحب الصورتين المرسومتين “جميل” و “بشع” هو نفس الشخص.

من فوره وبعين الرسام أخذ اللوحتين.

مزق كلاً منهما إلى نصفين.

جمع كل نصف جميل مع نصف بشع

فخرجت معه لوحة مختلفة تماماً.

أسماها

“الحقيقة”

يا أنت … إليك الحقيقة

فالنفاق لباسه الحرير.

والكذب لباسه الذهب.

اما الحقيقة، فتحب ان تبقى عارية.

إنه أنت

أنت صاحب الصورتين

أنت “جميل” إذا اردت

أنت “بشع” إذا اردت

وأنت الذي يقرر من يظهر للعيان …. فلا يظهر للعيان إلا ذاك الذي اردت.

إنها الحقيقة.

السابق
الشيبس
التالي
حب الشباب

اترك تعليقاً