لم تكن تلك الأعشاب الخضراء النديّة والمقاعد باهية الألوان في حديقة الألعاب المخصصة للأطفال بحواجزها البيضاء التي تفصلها عن الناصية المجاورة للطريق العام، هي كل ما تفتحت بصائري عليها في تلك اللحظة، اللحظة التي سطعت بها أشعة الشمس في ساعات العصر الأولى على عينايّ البنيتين لتضيف مزيدًا من البريق إلى مستقبلي وحجم فكري و زيادة وعيي، كانت المفصل لما وجدتُ نفسي أغوص به بعد ذلك لسنوات، لحظة إدراكي بكم أنني كنت بعيدًا جدًا عن كنز لا يُقدّر بكنوز الدنيا مجتمعةً.. كنزٌ يُدعى القراءة.
في طفولتي كُنتُ فتىً مدللًا، ربما عاديٌّ أو أقل من ذلك أو هكذا اعتقدت. أنهي دراستي باكرًا وأنتهي من حل الواجبات التي وُكّلت إليّ ثم أذهب لمشاهدة أفلام الكرتون المفضلة لدي على محطة (سبيستون) في الساعتين المُقررة من صاحبة السمو أمي العزيزة، وفي أوقات أخرى كُنتُ أضيع وقتي في اللعب بألعابي العزيزة والتي لازلت أحتفظ ببعضها حتى يومنا هذا.
في المدرسة كُنتُ ذلك الطالب الهاديء، متوسط الذكاء دراسيًا، يحترمُ النظام بشدة، لا أذكر أن تم استدعاء أبي يومًا إلى المدرسة لشجار أو مشكلة افتعلتها، كثير الصمت قليل الكلام، إذا تكلمت أبهرت وإذا صَمتُّ أهَبتُ من حولي.
سأخبركم بقصة رحلة اكتشافي لذاتي..
في أحد العُطَل الصيفية وتحديدًا حين كنت أبلغ من العمر العشر سنوات يشاء والدي أن يأخذني وإخوتي الثمانية لقضاء العطلة في مصر، الفكرة تبدو لي غير مريحة هل يتوجّبُ عليّ أن أسير في تلك الأزقة القديمة كالتي كنت أراها في مسلسل ليالي الحلمية؟! يبدو الأمر خانقًا فهنالك اكتظاظ كبير بالناس وأنا أمقت التجمعات وأفضّل الأماكن المفتوحة للهو واللعب ولكن ما باليد حيلة فهو أمرٌ من القائد الأعلى السيد والدي العزيز.
لن أتحدث طويلًا عن الصدمات الإيجابية التي واجهتها أثناء وخلال هذه الرحلة من انبهاري وإعجابي الشديدين بركوب السفينة (العبّارة) أو جمالية وسحر الأهرامات أو مدينة الملاهي الضخمة التي لم أكن قد رأيت لها مثيل ودعوني أنتقل بكم مباشرةً إلى أهم جزء ومكان غيّر حياتي للأبد.
كان للإسكندرية رونق خاص أضافته على قلبي منذ لحظة وصولنا والتقائنا بأحد أصدقاء والدي القدامى والذي قدم لنا العون في التوجيهات ومعرفة الطرقات.
بينما كانت الوجوه تتجه نحو شاطيء الاسكندرية شَدّني ذلك المنظر المُهيب للمبنى الدائري الضخم لمكتبة الإسكندرية العظيمة. إنها مُهيبة بحق وبينما كانت تنعكس على زجاجها زُرقة السماء تساءلت عن ماهية هذا المبنى فأجابني صديق والدي بأنها مكتبة الاسكندرية أحد أضخم وأقدم المكتبات عبر التاريخ.
ترتفع نزعة الفضول لديّ كحال أي طفل وأقول على الفور: والدي خذنا لزيارتها.
ولكنه يأبى لأننا متجهون إلى قرية سياحية تحوي شاليهات وكبائن تطل على البحر في الساحل الشمالي، وألتقط من بين أحاديث الكبار التي دارت بين والدي وصديقه كلمات الرجل لأبي: إنها مكتبة ضخمة للغاية يقصدها العلماء والطلاب الجامعيين لإجراء البحوث كما أنها تحتوي مخطوطات أثرية لا تقدر بثمن لما فيها من علم بالغ وأصالة عريقة، لابد أن ابنك اعتقد أنها لبيع القرطاسية.
ويتلو حديثهم ضحكات تثير غيظي، وتزيد من احتقاني كلمات أختي الكبرى حين تقول: ومنذ متى وأنت تقرأ أو تطالع الكتب! من الجيد أنك مازلت تقرأ دروسك.
يبقى وجهي البريء متجهّمًا وأعود لصمتي، لأغرق في أفكاري المحدودة “إن كان يقصدها العلماء والطلاب فقط فعلى الأرجح لن أتمكن من زيارتها إلا حين أصل لمرحلة الجامعة”، “على الأرجح هنالك آلاف الكتب فعلى ماذا ستبحث إن استطعت الدخول؟ أنا لا أعلم شيئًا عن الكتب سوى كتب مدرستي”.
أصابتني تلك التكهنات بالإحباط وقررتُ أن أتجاوز فكرة زيارة تلك المكتبة.
وصلنا إلى الشاليه الذي قام والدي بحجزه مسبقًا وما هي إلا دقائق انتهينا فيها من وضع حقائبنا في الغرف حتى توجهت برفقة (عمرو) إلى بركة السباحة، وعمرو هو ابن صديق والدي والذي كان في نفس عمري ولاحقًا أصبح من أعز أصدقائي.
كنا نقضي الأوقات في اللعب تارة وفي السباحة تارة أخرى وفي السير على رمال الشاطئ أحيانًا وفي استئجار دراجات هوائية نتمايل بها على الطرق الفرعية المرصّفة بين الشاليهات والكبائن.
يصيبني الجوع في يومٍ بعد الانتهاء من السباحة ويخبرني صديقي أنه وفي بداية القرية السياحية هنالك مطعم يقدم فطائر لذيذة، أعتمد عليه في هذه المهمة ونذهب سوياً فأراه يُسلّم على طفل آخر يكبرنا بنحو أربع سنوات إن لم أخطئ: مرحبا إبراهيم كيف حالك؟
ليرد إبراهيم ذو البشرة السمراء التي تغذت على شمس مصر وشعره الأشعث القصير والذي صنع التواءات دائرية على رأسه ونقاط النمش البنية على وجنتيه: أهلا عمرو.. أنا بخير وأنت كيف حالك؟
ثم أشار بإصبعه نحوي وقال: أهو صديق لك؟
يجيب عمرو: نعم إنه ابن صديق والدي وقد جاؤوا لتمضية العطلة هنا.
إبراهيم وقد أخذ يرمقني بنظرات بدت حذرة: أهلا بك.. أنا إبراهيم.
وأنا محمد.. ثم نتصافح
يخبرني أنه سيقوم بعمل أفضل فطير مشلتت في مصر ويقدمه لنا.
نتناول طعامنا ونعود أدراجنا تحت ضوء القمر نقفز على الطرقات متفادين الدهس على الضفادع التي بالفعل كانت قد دُهست بفعل المركبات وتنتهي تلك الليلة.
انقضت حوالي الأربعة أيام منذ وصولنا وقد أوشك الأسبوع المقرر لنا على الانتهاء والمغادرة، عمرو غادر مع والده ليلبي بعض احتياجات عمته الكبيرة وأصبحت وحيدًا لا أجد من ألعب معه ولم أسلم من سخرية إخوتي الأكبر سنًّا من مظهري النحيل ويديّ الطويلتين مما أثار بغضي للبقاء برفقتهم وخرجت وحيدًا أتنزّه في ربوع القرية السياحية وذهبت كالمعتاد إلى الحديقة الغنّاء ذات الأسوار الخشبية البيضاء وأعشاب النجيلة الخضراء والأرجوحات والزحاليق الباهية بألوانها الصفراء والحمراء.
ألمحُ عن بُعد إبراهيم يجلس على أرجوحة ممسكًا كتابًا بيده، يحييني وأجلس على الأرجوحة بجواره وتدور بيننا أحاديث مختصرة، وبين كل موضوع وآخر أراهُ ينغمس في القراءة ثم أُسهبُ بالحديث وهو الأمر النادر حدوثه ولكنه كان فظًّا فقد تجرأ على تجاهل حديثي وانغمس في القراءة دون تركيز لما أقوله. لقد زاد امتعاضي منه وقررت الرحيل لكنه فاجئني بابتسامة طيبة وقال لي: انتظر قليلًا ، أعتذر عن تجاهلك ولكن هذه القصة شدتني كثيرًا عليك بقرائتها.
فقلت بشكل ساخر: وماذا عساه أن يكون في كتاب كهذا ليجلسك في عزلتك هذه؟
قال بحماس شديد: إنه هاري بوتر .. ألم تسمع عنه؟
قلت: للأسف لا .. وماذا يكون؟
فأغلق الكتاب وأخذ يروي لي قصة الطفل الساحر الذي عاش بعد أن قتل اللورد فولدمورت والديه وأخذ يسرد الكثير من الأحداث ووجدتُ نفسي أغرق في التفاصيل وتعتلي وجهي مختلف المشاعر والأحاسيس فقد كنت مشدوهًا بشدة لكل كلمة.
ثم توقف قليلاً ثم أردف: أترى ؟ كيف أنك أصبحت متحمسًا لمعرفة القصة؟ صدقني ستكون أجمل حين تقرأها بنفسك.
طلبت منه اسم الكتاب وقد كان كريمًا جدًا ليدلني على مكتبة بالقرب من مطعم الفطائر الذي يعمل به بإمكاني إيجاد الكتاب هناك.
ساد صمتٌ طويل بعد ذلك وتلألأت عيوننا تسرح في مكان بعيد بشيء يدور في رأسه مختلفًا عما يدور في رأسي والذي كان لحظة الإدراك تلك.
كيف لي أن أفوّت على نفسي لذة ومتعة سحر مثل هذا؟ كيف لكلمات كتاب مثل هذا أن تأسرني وتجعلني أُغرم بالروايات والقصص؟ وكيف لم أدرك سابقًا أنني جيدجدًا في مادة اللغة العربية والقراءة؟ كيف لم أنتبه لسبب حبي لإلقاء (كلمة الصباح) في الإذاعة المدرسية؟ كيف لم أتنبّه لكل الإشادات التي أشاد بها معلميّ حول قراءتي الصحيحة ومدى براعتي في القراءة؟ القراءة ليست مجرد كتبٍ مدرسية، هذا بحر كبير أصابني منه بضع قطرات من رواية هاري بوتر وحجر الفيلسوف والتي أمضيت السنة التي تلتها كاملة في قراءتها وكان أمرًا شاقًا ولكنه أصبح هيّنًا في السنة التي تلتها بل وقد تمكنت من قراءة مجموعة قصصية لأغاثا كريستي والدكتور أحمد خالد توفيق من ماوراء الطبيعة وفانتازيا ولا أنسى رجل المستحيل لنبيل فاروق الذي أسرني بأبطال قصصه البوليسية، تعمقت وتشعّبت قراءاتي سنةً وراء سنة تاريخية وسياسية ودينية وغيرها، أصبح الكتاب لا يفارقني بل وكأنه وجبة أساسية ليومي فلا أنام ليلة إلا والكتاب بجوار وسادتي ينتظر أن أنهي دراستي ليبوح لي بسحره وأسراره.
أدركت أن الكتاب هو خير صديق فعلًا في أوقات عانيتُ فيها من التنمر والوحدة وقلة الأصدقاء، إن القراءة لهي فأسٌ يكسر قيود الجهل ويحرر العقول من ظلماتها.
ولا أنسى تلك الجدالات والأحاديث مع الكبار في السن في مختلف القضايا حين أرى في أعينهم الإعجاب بمستوى وعيي وكم معلوماتي، وإشاداتهم لوالديّ بذلك. أو الأصدقاء الذين عرفتهم في المدرسة والذين كانوا قلّة من القرّاء لتنطبق مقولة “وافق شنّ طبقه” فلم أحيط نفسي في دائرة المقرّبين إلا بمن يشبهونني وأراقب من هم لا يشبهونني.
وحين امتلأ إنائي بالكلمات والخيال قررت أن أكتب روايتي الأولى بعد تشجيع كبير من صديقي الشاعر الراحل (طه الفندي) والذي كان منارة للأدب تسير على الأرض، فانتقل القارئ لكاتبٍ شَهد له مختلف النقاد بكفاءته وخياله الخصب وسرديته الجميلة وكتاباته الإبداعية.
كُنت دائمًا أخجل من أن أسمي نفسي (كاتبًا) وكنت أكتفي بقول أنني هاوٍ لكنني الآن فخور بأن أقول أنني كاتبٌ مبدع.
شكرًا لله ثم لإبراهيم الفتى الذي يطهو الفطائر ويشعل النور لعقلي، وتبًا لبطليموس الأول لأنه لم تسنح لي فرصة زيارة مكتبة الاسكندرية إلى اليوم.
بقلم: محمد أبوشاكر

ولادة رائعة… أتمنى لك النجاح الباهر