الأدب والشعر

إنسانيات (الحلقة الثالثة)

أنا لا أزعم أني بارعٌ في إنسانياتي إذا ما استطعت أن أبكيك تارة وأضحكك أخرى، بل أنت ذاك البارع كونك إنسان تجيد التراقص على أنغام ما تقرأ، ففي سطر يضحك فيك الطفل، وفي آخر يبكي فيك الرجل، فتارة تكون رجلاً بلباس طفل، وفي أخرى تكون طفلاً بلباس رجل، فلا يبكي إلا الرجال ولا يبكي الرجل إلا إذا ملك قلباً كقلب الطير.

“قلب الطير”

في هذه الأيام الكورونية … وقف إمام مسجد بعد إقامة الصلاة، خنقته العبرة ثم بكى بحرقة وهو يقول: استقيموا … تباعدوا … لا تقاربوا … لا تراصوا … فقد كان يمتلك قلب طير.

دمعة الرجل عزيزة نادرة مستعصية، لكنها إذا أهرقت تكون حارة للمآقي كاوية، ولا يبكي الرجل إلا إذا غشيت قلبه الرحمة، ولا يبكي من الرحمة إلا من أمتلك قلب طير.

أما فرحة الرجل ففرحة طفل ينتظر رحلة مدرسية على احر من الجمر في تلك الليلة أجبر نفسه على النوم مبكراً على غير عادته عل وقت الرحلة يقترب فهو يمتلك قلب طير.

أنواع القلوب كثيرة متعددة، فمنها القاسِ، ومنها الجسور، ومنها لما يشقق من الرحمة ومنها المعتم ومنها السليم، المنيب، المخبت، الوجل، النقي، المهدي، المطمئن، الحي، ومنها المريض، الاعمى، اللاهي، الآثم، الغليظ، المختوم، الغافل، الأغلف، الزائغ والمريب، والعديد العديد من القلوب التي ذُكرت في القرآن الكريم، وهذا ما عرفته من القلوب، لكن هنالك قلب فريد ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير” أخرجه مسلم.

إقرأ أيضا:كيف يمكننا المساهمة في إثراء المحتوى العربي على الأنترنت؟

قلبُ الطير، من ذا الذي يملك هذا القلب؟

اصفه لكم:

قلبٌ رقيق للغاية، يتأرجح ما بين الخوف والرجاء، يخشى الله ويرجو لقاءه، نشيط كالعصفور دائم العمل دائم البناء، إذا ما صادفت هذا القلب شعرت بالبهجة ورق قلبك لرقته، خالي من القسوة، دائم التوكل على الله واثقٌ به لا يخشى على رزقه يغدو أخمصاً ويعود أبطناً بكل خير، دوماً في حالة تعلق ولجوء إلى الله، ولأنه المدرك أن لا رازق إلا هو فلا يزاحم على الرزق ولا ينافس بغير وجه حق، لا يشاحن وقد أسقط من قاموسه الخصام، لا يعاتب ولا يطالب، فمطلبه الوحيد أن لا يؤذي ولا يؤذى ليكون من ساكني جنة عرضها كعرض السماوات والأرض.

فإذا سألتني كيف أرتقي ليكون لي قلب طير أقول لك:

راقب قلبك، لتعرف في أي مستواً تقف، حينما تصحو كيف تعامل زوجك، أولادك، حينما تخرج إلى عملك كيف تعامل جيرانك المزعجين منهم خاصة وانت تلتقيهم كل صباح على باب منزلك.

راقب قلبك، كيف تعامل ذاك النظيف الذي لم يكتفِ بنظافته فأخذ على عاتقة أن ينظف خلف الناس وأنت منهم فاختار أن يكون عامل نظافة في حارتك، هل تنظر إليه على أنه نظيف أم يأنف قلبك من مصافحته وشكره أو على الأقل التبسم في وجهه.

إقرأ أيضا:كيف يمكننا المساهمة في إثراء المحتوى العربي على الأنترنت؟

راقب قلبك، كيف تتعامل مع ذلك البائع الذي وقف على شباك سيارتك في كل فصول السنة وظروفها، وقد خالف الأعراف وعاكس إشارات المرور كلما اخضرت الإشارة وقف جانباً وحينما أحمرت انطلق مسرعاً يطلب رزق ربه كما تطلبه أنت.

راقب قلبك، كيف تتعامل مع عامل محطة المحروقات ذاك البائس الواقف أبداً ينظر إليك وانت تخرج من جيبك نقود على وشك أن تتحول إلى وقود، بينما هو ينظر إلى تلك النقود يتمناها له دون حسد بل اسوة بعباده ومع هذا يزودك بالوقود وهو يبتسم ولسان حاله كالعيس في البيداء تموت ضمأً والماء على ظهورها محمولُ.

راقب قلبك، وقبل أن تصل إلى عملك بقليل في يوم شديد الحرارة، كيف تنظر إلى تلك الصغيرة وقد قفزت في إحدى الحاويات تبحث عن شيء ما بداخلها، هل ستبقى عالقة في تفكيرك بعد أن تصل إلى مكتبك وتجلس في مكتبك النظيف المكيف.

راقب قلبك، كيف تتعامل مع ذاك الذي يغسل سيارات الموظفين في مكان عملك، هل تحسب عدد السيارات التي سيغسلها لتعلم كم يجني في اليوم، أنت ترمقه بنظرة كلما رأيته، راقب نوع تلك النظرة وما نظرت إذ نظرت ولكن قلبك الذي نظر.

راقب قلبك، كيف تتعامل مع زملائك في العمل، هل تنافس بغير حق؟ هل تزاحم على ما ليس لك؟ بل اسأل نفسك هل يستبشرون حين قدومك.

إقرأ أيضا:أرسطو

ما أنا واثق منه أن كل هؤلاء تترك فيهم أثر حينما تغادر، وصدقني كل الصفات التي ينعتونك بها (قاسي رحيم وغد مغرورة محترم نكد متعالي فخور بالأنا ………) ما هي إلا صفات قلبك فما ينعتون إلا هو وما أنت إلا قلب يمشي على الأرض.

راقب قلبك، كيف غدى أخمصاً وبما عاد أبطناً، هل أبطن من حلال أم من حرام.

محمد مات، ومات بعده صحبه وهم لا محاله بصحبته في جنات النعيم، لكن محمد قبل أن يموت قال لأصحابه هنالك أقوام سيأتون، هم مني أقرب منكم، أنتم أصحابي وهم أحبابي أؤلئك الذي أمنوا بي ولم يروني، إنهم يملكون أفئدة كأفئدة الطير. راقب قلبك وأعمل على أن تكون بصحبة محمد.

راقب قلبك بعد الذي قرأت … هل اختلفت نبضاته؟ هل أحسست إبان قراءتك وأنت تمر على أسطري أنك تنظر إلى قلبك مع كل سطر ممرت به؟

إذا كان كذلك فقد غشيته الرحمة لأنه قلب طير.

قلب الطير لا يعصم دمعته إذا غشيته الرحمة فلا تعصمها أنت.

وثق بأنكَ لا زلتَ طفلاً يملكُ قلبَ طيرٍ محبوسٍ بلباسٍ خشن اسمه رجل.

السابق
الألعاب الحديثة
التالي
عالم الألعاب: رحلة إلى أبعد الحدود في ترفيه القرن الواحد والعشرين

اترك تعليقاً